نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

سر المبادرة العظيمة لأوزبكستان

يعد مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الذي شُيّد في مدينة طشقند ليس مجرد منشأة معمارية عادية، بل فضاء يجسد معنى عميقا ورؤية حضارية متكاملة. وقد تم تشييد هذا المجمع على مدى نحو ٩ سنوات، وأصبح اليوم يُعترف به كأحد أكبر المراكز العلمية والمعرفية ليس في أوزبكستان فحسب، بل في المنطقة بأسرها. إن عظمة العمارة، والأشكال الهندسية المتقنة، والزخارف الدقيقة، والنقوش المقدسة على الجدران، تمثل مزيجا متناغما بين التقاليد العريقة للعمارة الإسلامية والأسلوب الحديث. فكل عنصر معماري هنا ليس مجرد جمال، بل يحمل معنى ورمزا وتاريخا. لذلك يشعر كل من يزور المركز، حتى قبل دخوله، بعظمة هذا العالم الروحي المتعدد الأبعاد.

ومع الدخول إلى داخل المركز، تتحول هذه التصورات إلى تجربة واقعية. حيث تُعرض جميع المجالات — الدين والتاريخ والعلم والفن — ليس بشكل منفصل، بل كصورة متكاملة يكمّل بعضها بعضا. وفي قلب هذا المشهد المتناغم تقع قاعة القرآن الكريم، التي تعد فضاء مقدسا يجسد أعمق جذور الروحانية الإسلامية. وهنا يُحفظ أحد أعظم الكنوز المقدسة ذات الأهمية الفريدة للعالم الإسلامي — مصحف سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي نُسخ في القرن السابع. كما تُعرض في القاعة ١١٤ مخطوطة قرآنية مرتبطة بأوزبكستان، وتُزيَّن جدرانها بـ ٨ سجاد حريري منقوش بالآيات.

وقد شكّل العلم والثقافة، اللذان تأسسا على هذه القاعدة الروحية، أساسا لانطلاقة تطور البشرية لاحقا. وتعرض معارض المركز هذا المسار خطوة بخطوة — من الحضارات السابقة للإسلام، مرورا بعصور النهضة الأولى والثانية، وصولا إلى أوزبكستان الجديدة، وذلك بأسلوب حديث وتفاعلي وبصري. وهنا يُفسَّر انسجام الروحانية والعلم كحلقة متصلة في سلسلة تطور الإنسان.

وفي معارض المركز، يتم عرض تراث العلماء الكبار مثل الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والخوارزمي، وابن سينا، وميرزا أولغ بيك، في ارتباط وثيق مع العصور التي عاشوا فيها والبيئة العلمية التي أحاطت بهم، مما يتيح فهما واضحا لتطور العلوم ونشأتها.

ولا يقتصر دور الزائر هنا على المشاهدة فحسب، بل يعيش التجربة بكل حواسه — يرى ويسمع ويشعر، بل ويتمكن من «التفاعل» مع شخصيات العلماء عبر التقنيات الرقمية. وبهذا تتحول الزيارة من مجرد متابعة إلى تجربة حية لاستيعاب العلم والحضارة.

ويتمثل الهدف الرئيسي لنشاط المركز في دراسة تراث الحضارة الإسلامية بعمق، والبحث فيه على أسس علمية، وتقديمه إلى الجمهور الواسع بأساليب حديثة. كما يسهم هذا الصرح في التعريف بالتاريخ الوطني والقيم الروحية على المستوى الدولي. ويتجلى فيه بوضوح انسجام التقاليد مع الابتكار من خلال الشاشات التفاعلية، وتقنيات ٣D، والحلول الرقمية التي تجعل المعروضات محسوسة بكل أبعادها. وهكذا يتحول المركز من مفهوم المتحف التقليدي إلى منصة علمية وتعليمية حديثة.

ويقف وراء هذا المشروع الضخم رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، الذي أكد على أهمية المركز قائلا:

«إن مركز الحضارة الإسلامية الذي نبنيه ليس مجرد متحف، بل هو فضاء علمي ومعرفي يعرض تاريخ شعبنا وعلمه وروحانيته للعالم».

ويعكس هذا القول جوهر المركز بدقة، فهو لا يقتصر على حفظ التراث، بل يسعى إلى نقل مضمونه إلى العالم المعاصر.

وخلال فترة قصيرة، حقق المركز إنجازات كبيرة، حيث يستقبل يوميا في المتوسط أكثر من ٥٠٠٠ زائر من داخل البلاد وخارجها. ويشيد الزوار بالأجواء التي يوفرها المركز، والتقنيات الحديثة، وغنى المعروضات، مؤكدين أنها تترك لديهم انطباعات عميقة. كما أصبح المركز محط اهتمام الوفود الدولية، ويُقيَّم كمنصة متقدمة في مجال تقنيات المتاحف الحديثة.

وفي هذا السياق، قال رئيس وزراء جمهورية التشيك أندريه بابيش:

«يصعب وصف هذا المتحف بالكلمات — إنه مدهش بحق. لم أرَ في حياتي متحفا كهذا من قبل».

كما أشارت الأمينة العامة لمنظمة «الأمم المتحدة للسياحة» شيخة ناصر النويس إلى أن تاريخ الحضارات يُعرض هنا بأسلوب مؤثر جدا عبر التقنيات الحديثة والفن الغامر، مما يمنح الزوار تجربة عميقة إلى جانب المعلومات. واعتبرت المركز نقطة ثقافية وسياحية مهمة لمدينة طشقند وأوزبكستان.

Image #2 ومن جانبه، أكد رئيس باراغواي سانتياغو بينيا أن «تاريخ أوزبكستان هو جزء لا يتجزأ من حضارة الإنسانية، ومن هذه الأرض نشأ تراث أسهم إسهاما عظيما في العلم والثقافة العالمية».

وتعكس هذه الآراء بوضوح المكانة الدولية التي يحظى بها المركز.

ومن الجدير بالذكر أنه في ١٣ أبريل ٢٠٢٦ تم تسجيل المركز رسميا من قبل موسوعة غينيس للأرقام القياسية كـ «أكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم».

كما حصل متحف المركز على تقدير منظمة «توركسوي» الثقافية، حيث تم اختياره «أفضل متحف في العالم التركي»، ونال إشادة خاصة خلال مؤتمر دولي.

إضافة إلى ذلك، صنفته مجلة Smithsonian Magazine التابعة لمعهد سميثسونيان في الولايات المتحدة ضمن أكثر ١٠ متاحف منتظرة في العالم لعام ٢٠٢٦، مما عزز مكانته ضمن أكبر المشاريع المتحفية العالمية وأكد أهميته الثقافية والعلمية على الصعيد الدولي.

إن هذه التقديرات الرفيعة تعزز من مكانة المركز في المجتمع العلمي والثقافي العالمي، وتبرز دوره كمنصة مهمة للحوار والتعاون الدولي. والأهم من ذلك أن كل عنصر وكل معرض في هذا المكان يخدم فكرة واحدة — أن الحضارة الإنسانية ترتقي من خلال تكامل مختلف المجالات.

وبهذا المعنى، فإن مركز الحضارة الإسلامية ليس مجرد مكان لعرض التاريخ، بل هو بيئة فريدة لفهمه والإحساس به وإعادة تفسيره برؤية معاصرة. حيث يظهر فيه بوضوح الترابط بين الماضي والحاضر، ويُعرض مسار تطور الحضارة الإنسانية بعمق ومعنى.

كما يسهم المركز ليس فقط في حفظ التراث الوطني والتعريف به، بل في تقديمه إلى العالم بأسلوب حديث ومؤثر. والأهم أنه يعيد الإنسان إلى جذوره، ويؤثر في عالمه الروحي والفكري، ويدفعه إلى استلهام الماضي لفهم الحاضر وصناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، يمثل مركز الحضارة الإسلامية ليس فقط مصدر فخر وطني لأوزبكستان، بل منصة مهمة لتعزيز الحوار بين الحضارات وتطوير التعاون الثقافي العالمي.

شاهينة عليجونوفا

ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع إرفاق رابط إلى الموقع الرسمي للمركز

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.